كان عندي يومًا مشكلة في التفريق بين الصديق والزميل والصاحب.
كنت أعتقد أن طول المعرفة، وكثرة اللقاءات، والحديث المستمر، كافية لأن تجعل الإنسان صديقًا. وربما كنت أضع أشخاصًا كثيرين في أماكن أكبر من مكانهم الحقيقي في حياتي.
لكن السنوات علمتني أن أرى الناس بصورة أكثر هدوءًا ووضوحًا.
ومع التجارب والعلاقات والخيبات الصغيرة، التي لم ألحظ أثرها إلا بعد سنوات، بدأت نظرتي إلى الناس تتغير.
شخص كنت أراه صديقًا، اكتشفت أنه زميل جيد لا أكثر.
وشخص أحب الحديث معه، أدركت أن قربه الدائم لا يناسبني.
وشخص آخر لا يوجد بيني وبينه خلاف، لكنني وجدت أن المسافة بيننا أصبحت أكثر راحة.
ليس لأن هؤلاء تغيروا بالضرورة.
ربما أنا الذي تغيرت.
تغيرت أولوياتي، واتسعت تجربتي، وأصبح لدي تعريف مختلف للصداقة والقرب.
وأعتقد أن جزءًا من هذا التغير جاء من فهمي المتأخر لما نسميه الذكاء الاجتماعي.
أن أعرف متى أتحدث، ومتى أصمت، ومتى أسأل، ومتى يكون السؤال تدخلًا لا اهتمامًا.
وأن أفهم أن المجاملة أحيانًا ليست نفاقًا، بل قدر مقبول من اللباقة يحفظ العلاقات من احتكاكات لا ضرورة لها.
حتى فضولي تجاه الآخرين تغير.
لم أعد أشعر أنني بحاجة إلى معرفة كل شيء عنهم.
لماذا تغير فلان؟
ولماذا لم يخبرني؟
وماذا يقصد بكلامه؟
ولماذا لم يسأل؟
أسئلة كانت تشغلني يومًا، ثم اكتشفت أن كثيرًا منها لا يستحق كل ذلك التفكير.
تعلمت أن أكبح فضولي قليلًا، وأن أترك للناس مساحتهم وأسرارهم واختياراتهم.
ليس لأنني أصبحت بلا مشاعر، بل لأنني أدركت أن طاقتي ليست بلا نهاية، وأن ليس كل موقف يستحق أن يأخذ جزءًا منها.
ومع الوقت، بدأت أعود إلى نفسي أكثر.
إلى صحتي، وأفكاري، وعملي، وأحلامي، وشغفي، والأشياء التي أريد أن أنجزها قبل أن تمضي السنوات أسرع مما أتوقع.
حتى نظرتي إلى العلاقات أصبحت أكثر هدوءًا.
لم أعد أرى أن كل اختلاف يحتاج إلى خصام، أو أن كل تغير يستدعي عتابًا، أو أن كل علاقة لم تعد كما كانت تحتاج إلى إعلان نهاية.
أحيانًا يكفي أن أعيد وضع الشخص في مكانه الصحيح.
هذا صديق.
وهذا زميل.
وهذا صاحب جميل للحديث واللقاء.
وهذا شخص أحترمه، لكنني أفضل أن تبقى بيننا مسافة.
ومع الوقت، أدركت أن جزءًا من النضج هو أن أتوقف عن اعتبار كل مسافة خسارة.
فبعض المسافات تحفظ الود.
وبعض المجاملات تحفظ الاحترام.
وبعض الأسئلة التي لا أسألها تحفظ كرامة العلاقة.
وبعض المسافات تحفظني أنا.



